محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قالت النساء : كذلك عليهم نصيبان من الذنوب ، كما لهم نصيبان من الميراث فأنزل الله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ يعني الذنوب ، واسألوا الله يا معشر النساء من فضله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم ، وللنساء نصيب منهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ يعني : ما ترك الوالدان والأقربون ، يقول : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن أبي إسحاق ، عن عكرمة أو غيره ، في قوله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ قال : في الميراث كانوا لا يورثون النساء . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال معناه : للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا ، فعملوه من خير أو شر ، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال . وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال تأويله : للرجال نصيب من الميراث ، وللنساء نصيب منه ، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب ، وليس الميراث مما اكتسبه الوارث ، وإنما هو مال أورثه الله عن ميته بغير اكتساب ، وإنما الكسب العمل ، والمكتسب : المحترف ، فغير جائز أن يكون معنى الآية ، وقد قال الله : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ للرجال نصيب مما ورثوا ، وللنساء نصيب مما ورثن ؛ لأن ذلك لو كان كذلك لقيل : للرجال نصيب مما لم يكتسبوا ، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن . القول في تأويل قوله تعالى : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ يعني بذلك جل ثناؤه : واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته ، ففضله في هذا الموضع : توفيقه ومعونته . كما : حدثنا محمد بن مسلم الرازي ، قال : ثنا أبو جعفر النفيلي ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن أشعث ، عن سعيد : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ قال : العبادة ليست من أمر الدنيا . حدثنا محمد بن مسلم ، قال : ثني أبو جعفر ، قال : ثنا موسى ، عن ليث ، قال : فضله العبادة ليس من أمر الدنيا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هشام ، عن ليث ، عن مجاهد ، في قوله : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ قال : ليس بعرض الدنيا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ يرزقكم الأعمال ، وهو خير لكم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا إسرائيل ، عن حكيم بن جبير ، عن رجل لم يسمه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل ، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج " . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً يعني بذلك جل ثنائه : إن الله كان بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير ، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا ، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم عَلِيماً يقول : ذا علم ، ولا تتمنوا غير الذي قضى لكم ، ولكن عليكم بطاعته والتسليم لأمره ، والرضا بقضائه ومسألته من فضله . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي ، يقول : ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته العصبة غيرهم . والعرب تسمي ابن العم المولى ، ومنه قول الشاعر : ومولى رمينا حوله وهو مدغل * بي أعراضنا والمنديات سروع يعني بذلك : وابن عم رمينا حوله . ومنه قول الفضل بن العباس : مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تظهرن لنا ما كان مدفونا وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو أسامة ، قال : ثنا إدريس ، قال : ثنا طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ قال : العصبة ورثة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنى معاوية بن صالح ، عن علي بن